ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

223

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وهذا يبين حقارة الغني وشرف الفقراء عند الله فكيف يتصور من المؤمن أن يعجب بثروته بل المؤمن لا يخلو عن الخوف من تقصيره في القيام بحقوق المال وأخذه من حله ووضعه في حقه ومن لا يفعل ذلك فمصيره إلى الخزي والبوار فكيف يعجب بنفسه وماله . وأما العاصون من المؤمنين واغترارهم بقولهم إن الله كريم وإنا نرجو عفوه واتكالهم على ذلك وتركهم الأعمال وإهمالهم لها بأن نعمة الله واسعة ورحمته شاملة وكرمه عميم وأين معاصي العباد في بحار رحمته وإنا موحدون ومؤمنون ويرجونه بوسيلة الإيمان فما هذا إلا كلام صحيح مقبول في القلوب غير أن الشيطان يهزأ بهم ويغرهم ويستغويهم لأن الإيمان بمفرده لا ينفع نفعا تاما إذا كان خاليا من العمل لأن الإيمان يحتاج إلى حقيقة وحقيقته العمل وهو الايتمار والانتهاء لأن الإيمان دعوى لا يبين حقيقته إلا بالعمل وهو الايتمار بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه وقد جاء في قوله تعالى في هذا المعنى آيات كثيرة لا تحصى مثل قوله تعالى جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وهذا هو التمني على الله غير الشيطان اسمه فسماه رجاء حتى يخدع به الجهال وقد شرح الله الرجاء فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ( 1 ) يعني الرجاء الذي يليق بهم وهذا لأنه ( 2 ) ذكر ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال لقوله تعالى جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقال إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ( 3 ) أفترى من استؤجر على إصلاح أواني وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريما يوفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف بل يزيد فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثم جلس ينتظر الأجرة وزعم أن المستأجر كريم أفتراه العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا أم راجيا وهذا للجهل بالفرق بين الرجاء وبين الغرة ( 4 ) . وقيل للحسن : قوم يقولون : نرجو الله ويضيعون العمل فقال : هيهات هيهات

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 218 . ( 2 ) الضمير للشأن وما بعده مبتدء وخبر يعني أن ما ورد من ثواب الآخرة إنما هو غرض عن الاعمال وأجر عليها لا بالجزاف فلا معنى للرجاء بدون العمل . ( 3 ) سورة آل عمران 183 . ( 4 ) في بعض النسخ [ وبين التمني ] .